حين تصمت الغابة.
https://youtu.be/nDRY0CmcYNU?si=tw8aooALSSlGOQA2
جلستُ بالأمس أستمع إلى تسجيلٍ صوتي قديم، ومن بين كل أصوات العالم، كان هناك صوتٌ واحد أطبق الصمتُ من حوله. إنه صوت طائر الـ "كاواي أو-أو". لا أعرف لماذا، لكن كلما استمعت إلى ذلك النداء، لا أرى طائراً، بل أرى ملامحنا نحن البشر في لحظات انكسارنا الكبرى.
كان هذا الكائن، ببريق ريشه الأسود ووميض الأصفر في جناحيه، سيداً متوجاً على غابات "ألاكاِئي" في هاواي. لم يكن مجرد طائرٍ يبحث عن قوت يومه، بل كان حلقةً في سلسلةٍ كونية دقيقة؛ بفضل منقاره المعقوف، كان هو المسؤول عن استمرار زهور "اللوبيليا" في الحياة. وكأن الطبيعة صممتهما معاً، صممت الطائر للزهرة، والزهرة للطائر، في عقدٍ من الوفاء لا يدركه إلا من تأمل بعمق.
لكن ما يعتصر قلبي حقاً ليس جماله، بل تلك اللحظات في تسجيله الشهير حيث يتوقف عن الغناء.
لقد قرأتُ عنه كثيراً، وعن تلك السنوات الأخيرة التي قضاها وحيداً. كان الباحثون يراقبونه، يراقبون انحساره، لكنهم لم يجدوا كلمات تصف تلك "الوحدة الوجودية". تخيل أن تنهض كل صباح، في غابةٍ كانت يوماً بيتك، لتبدأ في أداء طقوس التزاوج التي توارثتها عن أجدادك، ثم تدرك.. تدرك فجأة أن صدى صوتك هو كل ما سيأتيك. الصمت الذي يلي كل نداءٍ له هو الفجيعة بعينها. إنه ليس انتظاراً، إنه إدراكٌ مرير بأن الغابة قد فرغت تماماً.
يسمي أهل هاواي هذه الحالة بـ "باو" (Pau)، أي "انتهى". لم يعد ثمة شيء.
أفكر في "أحمر الشقاء" الذي يظهر تحت عيني حين يطول سهري، في ذلك اللون الذي يصبغ الروح حين ندرك أننا نسهر من أجل لا شيء، أو من أجل شيءٍ لن يعود. ألم يكن طائرنا الأخير يعيش هذا "الأحمر" نفسه؟ ألم يكن يغني والشقاء يملأ صدره الصغير؟ لقد رحل في عام 1987، وحيداً تماماً، تاركاً خلفه غابةً بدأت تذوي، وزهوراً نسيت كيف تتلقح، وصمتاً أبدياً لا يقطعه إلا تسجيلٌ رقمي نُعيد تشغيله اليوم لنبكي على ما فات.
إن قصة "كاواي أو-أو" ليست مجرد معلومة في كتب الأحياء، وليست مجرد ضحية أخرى لقائمة الانقراضات. إنها مرآةٌ لنا. نحن نعيش في عالمٍ يفرغُ ببطء من جماله، ونحن—أحياناً—نقف متفرجين كما وقف ذلك العالم حين كان الطائر يغني.
في كل مرة أكتب فيها عن هذا الطائر، أشعر أنني لا أكتب عن طائرٍ مات، بل عن جزءٍ مني ومنكم تلاشى. وكأنني أحاول، بكلماتي هذه، أن أمنحه وطناً في ذاكرتنا، حتى لا يظل وحيداً في صمته الأبدي.
لعل الكتابة—في نهاية المطاف—هي محاولتنا الوحيدة لكي لا نكون نحن أيضاً "آخر من تبقى" .في عالمٍ ينسى كيف يغني.

